الشريف الرضي

289

المجازات النبوية

النعم من عقلها " كذا رواه أبو عبيد ، ورواه أبو عبيدة " حادثوا القرآن بالدرس ، فهو أشد تفصيا من صدر الرجال من الإبل المعقلة تنزع إلى أوطانها " . فقوله عليه الصلاة والسلام : " فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال " . مجاز ، والمراد بالتفصي هاهنا الذهاب والتفلت . قال الشاعر : يا حفص ما ليلك ذا التفصي * والأثر البين للمفص ( 1 ) فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه تفلت القرآن وذهابه من الصدر ما لم يحادث بالتلاوة ويتعهد بالقراءة ، بتفلت النعم المعقلة ( 2 ) من عقلها ، إذا لم يستظهر بإحكام عقلها ، فأقام عليه الصلاة والسلام الاستكثار من درس القرآن في أنه يجمع مشتته ويضبط متفلته مقام الاستظهار بعقل النعم في أنه يقصر ( 3 ) متسرعها ، ويحبس نوازعها ( 4 ) ، والكلام هاهنا يدل بمفهومه على أن القرآن هو المتفصي عن الصدور ، والحقيقة أن القلوب هي المتخلية منه والتاركة له ، فلما كان الامر كذلك جاز على طريق المجاز أن يقال : إن

--> ( 1 ) التفصي : الانفصال ، والمفص : مريد الفصل بين الشيئين ، فيقال فصى الشئ عن الشئ وفصصه ، وفصاه : إذا فصله . ( 2 ) المعقلة : أي التي ربطت بها بالعقال . ( 3 ) يقصر : يحبس متسرعها : عن الاسراع . ( 4 ) النوازع : جمع نازعة ، وهي المشتاقة إلى المشي والرجوع إلى أوطانها .